الحوسبة كمنهج، والصناعة كمسار

عن اختياراتي لفهم الواقع المركّب وتطوير حلول عملية.

محمد كامل
فيزيائي حاسوبي ومعماري أنظمة المحاكاة

بعد انتهاء منتدى AIAA SciTech 2026 السنوي للعلوم والتقنية، الذي ينظمه المعهد الأمريكي للملاحة الجوية والفضائية، وجدت بعض الوقت لأسجّل خواطر ولحظات أحببت مشاركتها. لا تقتصر هذه الخواطر على الجانب التقني؛ فهي تتناول أيضًا الأشخاص المؤثرين، والأولويات العملية، والسمات الشخصية التي تشكّل قراراتنا المهنية والحياتية.

بطاقة مؤتمر AIAA SciTech 2026 وشارات رئاسة الجلسات
بطاقة مؤتمر AIAA SciTech 2026 وشارات رئاسة الجلسات.

أولى هذه اللحظات صورة عفوية التقطتها مع أستاذي البروفيسور جوزيف باورز (Joseph Powers) في أحد أيام المؤتمر المزدحمة، وبعد عدد لا بأس به من أكواب القهوة، والتي تقدم أثناء جلسات المؤتمر. لطالما اعتبرته قدوة ونموذجًا رائدًا في الفيزياء الحاسوبية. وقد كنت محظوظًا بأن أكون أحد طلابه، ثم عملت معه مساعدًا للتدريس في مقررات الرياضيات المتقدمة والطرق العددية لطلبة الدراسات العليا، خلال دراستي للدكتوراه في هندسة الطيران والفضاء بجامعة نوتردام. وهناك انصبّ عملي على ديناميكا الموائع الحسابية (Computational Fluid Dynamics — CFD) والحوسبة عالية الأداء (High-Performance Computing — HPC).

لم تكن قيمة هذه التجربة في الأدوات التي تعلمتها فحسب، بل في طريقة التفكير نفسها: كيف أفكك المشكلة إلى عناصرها الأساسية من دون أن أفقد الصورة الكلية، وكيف أمزج بين الرياضيات والحدس الفيزيائي والحوسبة لفهم نظام معقّد. وحتى بعد تخرجي والتحاقي بفريق البحث والتطوير في شركة المحاكاة الرقمية أنسيس (Ansys)، ظللت ألتقي البروفيسور باورز في هذا المؤتمر على مرّ السنين. لذلك حملت الصورة الحديثة معه معنى خاصًا؛ فقد ذكّرتني بأن اختياري للطرق الحوسبية والكمّية كان منهجًا للبحث والتطوير، لا مجرد مجموعة من الأدوات التقنية.

محمد كامل مع البروفيسور جوزيف باورز في مؤتمر AIAA SciTech 2026
مع البروفيسور جوزيف باورز في مؤتمر AIAA SciTech 2026.

تعود جذور هذا الاختيار إلى دراسة الماجستير في هندسة الطيران والفضاء بجامعة القاهرة، حين اخترت محاكاة محركات الرامجت ذات الاحتراق فوق الصوتي (Supersonic Combustion Ramjets — Scramjets) المستخدمة في تطبيقات الطيران فرط الصوتي. وفي هذا النوع من المحركات يظل تدفق الهواء داخل غرفة الاحتراق أسرع من الصوت. كان دافعي الأول عمليًا؛ فالمحاكاة الرقمية تتيح دراسة عدد كبير من التصميمات بكفاءة وتكلفة أقل من كثير من الاختبارات المعملية واسعة النطاق.

ولا يعني ذلك أن المحاكاة تحل محل التجربة؛ فالتجارب تظل ضرورية لفهم الظواهر والتحقق من النماذج. لكن الحوسبة تساعدنا على اختبار الفرضيات، واستكشاف تصميمات أكثر، وفهم أثر المتغيرات المختلفة قبل الانتقال إلى التجارب الأعلى تكلفة. وهنا تظهر قيمة التكامل بين النظرية والمحاكاة والتجربة، لا المفاضلة بينها.

أما دافعي للاستمرار في هذا المجال خلال الدكتوراه وما بعدها، فكان أعمق من حسابات التكلفة والكفاءة. لقد جذبني المزج بين الرياضيات المتقدمة والحوسبة والتحليل الكمي للقوانين الفيزيائية الحاكمة، وما يتيحه ذلك من نظرة تفكيكية لا تفقد الصورة الكلية عند التعامل مع المشكلات متعددة الأبعاد والمقاييس والظواهر الفيزيائية (Multidimensional, Multiscale, Multiphysics Problems). وهي مشكلات تتفاعل فيها ظواهر عدة، مثل الجريان وانتقال الحرارة والاحتراق، عبر مقاييس مكانية وزمنية مختلفة.

لا يمكن عادةً تمثيل هذه المشكلات بكامل تفاصيلها من خلال حلول تحليلية مغلقة (Closed-form Analytical Solutions)؛ أي حلول رياضية مباشرة يمكن كتابتها في صورة نهائية من دون حل عددي متكرر. فالتحليل الرياضي يضطر غالبًا إلى عزل بعض الظواهر أو تقليل عدد المتغيرات، بينما لا تعمل ظواهر الواقع المعقّد كلٌّ منها بمعزل عن الأخرى. لكن تعذّر الحل المغلق لا يعني تعذّر الفهم؛ فمن هنا تبدأ قيمة المنهج الحوسبي، بتحويل القوانين الحاكمة إلى نماذج عددية يمكن اختبارها والتحقق منها ومقارنتها بالواقع.

ونتيجة لاختياري أن أكون فيزيائيًا حاسوبيًا ومصممًا لأنظمة المحاكاة الرقمية، فُتحت أمامي أبواب المساهمة في صناعات مختلفة: من الطيران والفضاء، مرورًا بالسيارات والمحركات والطاقة المتجددة والبطاريات والإلكترونيات، وصولًا إلى قطاع النفط والغاز. ورغم اختلاف هذه الصناعات، ظل السؤال الأساسي واحدًا: كيف نحوّل فهمنا للفيزياء والرياضيات إلى برمجيات موثوقة وحلول عملية قابلة للتوسع؟

هذا التنوع لم يشتت اهتمامي، بل كشف لي الرابط بين تلك المجالات. وقد حفّزني على الكتابة عن الأفكار التي تربط بين الفيزياء والرياضيات وهندسة البرمجيات، بل وحتى الفلسفة، من منظور حوسبي وكمّي. لطالما خططت لمشاركة بعض الخواطر التقنية وغيرها من خلال تجاربي ووجهة نظري، لكنني كنت دائمًا جيدًا في إيجاد الأعذار: ضيق الوقت، وقلة الطاقة، والتسويف، والنزعة إلى المثالية. كنت أريد للكتابة أن تكون سهلة وسلسة من جهة، ومتكاملة ودقيقة من جهة أخرى، ويزداد ذلك صعوبة حين أكتب بالعربية الفصحى في موضوعات تشكّلت معظم مصطلحاتها الحديثة في سياق إنجليزي.

لكن اتضح لي أن الكتابة عضلة لا تتحسن إلا بالتمرين. ولا بد لهذا التمرين من أن يشمل المحاولة، وتقبّل الخطأ، ثم مراجعته وتصحيحه والاستمرار بعده. فالكتابة، مثل البحث والتطوير، عملية متكررة من «المحاولة والخطأ» (Trial and Error)، لا لحظة واحدة نصل فيها إلى الكمال.

ومن هنا أصل إلى جانب آخر من تجربتي في المؤتمر: مساهمتي في أنشطة اللجنة التقنية لتوليد الشبكات العددية والتمثيل البصري وبيئات الحوسبة (Meshing, Visualization, and Computational Environments — MVCE). وتهتم هذه المجالات بما يهيئ النموذج قبل الحل العددي، وما يعرض نتائجه بعده، وما يربط أدوات المحاكاة بعضها ببعض.

تلقيت خلال هذه التجربة كثيرًا من النصح والتوجيه من رواد صناعة برمجيات المحاكاة والتصميم الهندسي، ومنهم إيف-ماري لوفيفر (Yves-Marie Lefebvre)، المدير التقني لشركة تيكبلوت (Tecplot)، الذي تولى رئاسة التخصص بالإنابة خلال المؤتمر. وكان العمل معه، بصفتي نائبًا له، تجربة ثرية شملت تحرير أحدث الأبحاث ومراجعتها، والمساهمة في إدارة الجلسات، وتقييم أبحاث الطلبة، والاحتفاء بالأعمال المتميزة. ومن اللحظات التي أسعدتني الاحتفاء بعمل روبرت سيلز (Robert Sales)، الفائز بجائزة أفضل بحث طلابي في تخصص MVCE. فتقدير عمل طالب متميز لا يقتصر على الاحتفاء بنتيجة بحثية؛ بل يشجّع باحثًا في بداية طريقه على الاستمرار. ويسعدني أن أواصل هذه المسؤولية رئيسًا للتخصص في AIAA SciTech 2027.

محمد كامل يقدم إلى روبرت سيلز جائزة أفضل بحث طلابي في تخصص MVCE لعام 2026
تقديم جائزة أفضل بحث طلابي في تخصص MVCE لعام 2026 إلى روبرت سيلز.

وهذا ما أريد التأكيد عليه: إن مشاركة الباحثين القادمين من القطاع الصناعي في الأنشطة التقنية والبحثية تضيف قيمة فريدة إلى المجتمع العلمي، كما تعود على الباحث نفسه بفائدة علمية ومهنية. فهي ليست وسيلة لرد الجميل إلى المجتمع العلمي من واقع الخبرة الصناعية فحسب؛ بل فرصة للبقاء على اتصال بأحدث التطورات، وتوجيه الطلبة، والاحتفاء بتميزهم، وبناء شراكات وفرق لمشروعات بحثية وصناعية مستقبلية.

إعلان مؤتمر AIAA SciTech 2027 في أورلاندو بولاية فلوريدا
إعلان مؤتمر AIAA SciTech 2027 في أورلاندو بولاية فلوريدا.

وتقودني هذه المشاركة إلى نقطة مهمة أحب أن أشدد عليها، خصوصًا لتشجيع الباحثين في الصناعة على مشاركة نتاجهم البحثي مع الأوساط الأكاديمية والمعامل الوطنية. هناك اعتقاد شائع بأن البحث الجاد يقتصر على الجامعات أو المعامل الحكومية، إلا أن البحث والتطوير في الصناعة مختلف، لكنه ليس أقل صرامة. فهو يوازن بين النظرية والابتكار ومحاولة الإجابة عن أسئلة مفتوحة من جهة، وقيود العالم الحقيقي من جهة أخرى: المواعيد النهائية، والموارد المتاحة، وحقوق الملكية الفكرية، وحماية المعرفة في سوق تنافسية، والاحتياجات الفعلية للمستخدمين والسوق.

هذه القيود لا تقلل قيمة البحث، لكنها تغيّر معنى النجاح. فلا يكفي أن تكون الفكرة صحيحة نظريًا أو أن تنجح مرة واحدة في نموذج أولي؛ بل يجب أن تراعي المنتجات المبنية عليها قابلية إعادة إنتاج النتائج (Reproducibility)، وقابلية التوسع (Scalability)، وضمان الجودة (Quality Assurance) عبر مراحل البحث والتصميم والتطوير والإنتاج. أي إن النتيجة ينبغي أن تتكرر، والحل ينبغي أن يحافظ على كفاءته عند زيادة حجم المشكلة، والمنتج ينبغي أن يظل موثوقًا في ظروف استخدام مختلفة. وهذا مستوى آخر من الصرامة، يتطلب الموازنة بين العمق النظري والأبعاد التقنية والاقتصادية والتشغيلية.

في النهاية، هذه خواطر أحببت مشاركتها لإثراء الحوار وتبادل الخبرات وفتح باب للتفكير والنقاش، ،وخاصة بين المتحدثين باللغة العربية، وتسليط الضوء على أهمية المنهج الحوسبي ودور مدّ الجسور بين الحوسبة والبحث العلمي والقطاع الصناعي. وآمل أن يجد فيها باحث أو مهندس شاب ما يشجعه على مشاركة عمله، والتعلم من خطأ من سبقوه، وبناء طريقه من دون انتظار اللحظة المثالية التي لن تأتي.