فيزيائي حاسوبي ومعماري أنظمة المحاكاة
غالبًا ما تأتي المفاجآت السعيدة حين نرضى ونتقبّل احتمال ألا تأتي أبدًا. لكنها، حين تأتي في صورة لقاء مع شخص قام بتدريسك أو إرشادك أو أسهم في تشكيل جزء من وعيك، أو حين ترى أمامك نسخة أصغر سنًا منك تحمل الأحلام والطموح نفسيهما، تصبح أكثر من مجرد لحظة سعيدة. فقد يكون ذلك اللقاء كل ما تحتاجه لتتذكر لماذا بدأت، ولماذا واصلت المثابرة في المسار الذي اخترته، حتى حين شعرت أنك تسير فيه وحيدًا، ورغم المصاعب والصدمات التي تحاول تشتيتك أو عرقلتك، ومع كل مسؤولياتنا تجاه من يمنحون حياتنا معنى.
هذه اللقاءات قليلة. وكان أحدثها في زيارتي الأخيرة إلى جامعة نوتردام، حين حضرت اجتماع المجلس الاستشاري الصناعي لقسم هندسة الطيران والفضاء. التقيت، كالمعتاد، عددًا من الأساتذة الذين قاموا بتدريسي أثناء الدكتوراه، لكنني كنت أبحث في كل مرة عن أستاذي ومشرفي، البروفيسور مين وانغ (Meng Wang). كنت أذهب إلى مكتبه صباحًا أو ظهرًا ولا أجده. وفي هذه المرة تذكرت أنه، مثلي، محب للسهر والعمل ليلًا (Night Owl). فقد كنا، بصفتنا مجموعة بحثية، نبدأ عملنا مساءً بعد انتهاء المحاضرات، تدريسًا أو حضورًا، ونواصل البحث بصفتنا حاسوبيين (Computationalists) حتى الساعات الأولى من صباح اليوم التالي. والحاسوبي هنا هو الباحث الذي يعتمد على النماذج الرياضية والخوارزميات والحواسيب لفهم الظواهر الفيزيائية. في تلك الساعات يكون المعمل قد هدأ بعد انصراف معظم التجريبيين (Experimentalists) العاملين في أنفاق الهواء (Wind Tunnels).
اتصلت به عند السادسة مساءً، فوجدته فعلًا في مكتبه، يبدأ يومه بعد أن هدأ معمل هيسرت لأبحاث الطيران والفضاء (Hessert Laboratory for Aerospace Research). التقينا وتحدثنا لعدة ساعات. بدأ حديثنا من يوم التحاقي بمجموعته البحثية، ثم انتقل إلى عملي بعد مناقشة الدكتوراه في البحوث والتطوير في الحوسبة والمحاكاة لدى أنسيس (Ansys)، وصولًا إلى انتقالي الأخير إلى مجال الطاقة ومحاكاة مكامن النفط والغاز وطرق استخلاصها وإنتاجيتها (Reservoir Simulation & Oil Recovery and Production).
توقفنا طويلًا عند السؤال الذي يربط هذه المجالات: كيف يمكن للتقنيات الحسابية والرياضيات المتقدمة، المستخدمة في محاكاة ثوانٍ أو دقائق من سريان الهواء والموائع حول أنظمة الطائرات والصواريخ صغيرة ومتوسطة الحجم، وفي نطاقات لا تتجاوز بضعة أمتار داخل طبقات الجو العليا، أن تُستخدم أيضًا في محاكاة تكوّن الهيدروكربونات في الأحواض الرسوبية (Sedimentary Basins)، وهجرتها عبر طبقات الأرض المسامية على أعماق تبلغ آلاف الأمتار، وعلى امتداد آلاف الكيلومترات، وخلال مقاييس زمنية جيولوجية طويلة؟
ثم انتقلنا إلى أوجه التشابه والاختلاف في بناء المحاكاة الرقمية نفسها: من الشبكات العددية (Meshing)، إلى تقسيم المجال والتوازي (Domain Decomposition & Parallelization)، ثم إلى اختلاف معادلات السريان. ففي محاكاة الهواء والسريان الحر ننطلق عادةً من الصورة الكلاسيكية لمعادلات نافيير–ستوكس (Navier–Stokes Equations)، بينما نستخدم في الأوساط المسامية قانون دارسي (Darcy’s Law) لوصف سريان النفط والغاز. وتتغير تبعًا لذلك خصائص الأنظمة الخطية والمصفوفات وطرق حلها، لأن اختلاف المقاييس المكانية والزمنية بين المسألتين ليس تفصيلًا ثانويًا؛ بل يحدد كيف نبني النموذج والخوارزمية والحل الحاسوبي كله.
لكن هذا لم يكن نهاية حوارنا. فقد دعاني إلى العشاء في اليوم التالي، بعد أن أنهيت مهام زيارتي، برفقة زوجته في مطعم إيطالي. وهناك بدأ يشاركني خبرات حياتية لم يشاركها معي من قبل. كنت قد اعتدته مهنيًا شديد الصرامة، وهذه إحدى الصفات التي تعلمتها منه. ولأول مرة تحدثنا عن شجرة عائلتنا الأكاديمية. فعلى الرغم من أنه أبي الأكاديمي، لم نجد خلال دراستي وقتًا للحديث عن ذلك؛ إذ كنا منشغلين بتحليل النتائج، وكتابة طلبات المنح للعمل على الحواسيب الفائقة، وإعداد التقارير للجهات المانحة، وكتابة الأوراق البحثية، والاستعداد للمؤتمرات.
أراني يومها شجرة عائلتي الأكاديمية والجذور التي أنتمي إليها. و«الأب الأكاديمي» ليس نسبًا عائليًا، بل هو المشرف الذي تتلمذت على يديه؛ وعند تتبّع مشرفه ثم مشرف مشرفه، تتكوّن سلسلة ممتدة من التعلّم المباشر ونقل المعرفة بين أجيال الباحثين.
ومن خلال هذا السند المتصل والتتلمذ المباشر، وجدت أن شجرتي تمتد عبر البروفيسور مين وانغ إلى ديفيد كاسوي (David R. Kassoy)، ثم توماس آدمسون (Thomas C. Adamson)، ثم فرانك ماربل (Frank E. Marble)، وصولًا إلى اثنين من كبار رواد ميكانيكا الموائع والطيران: تيودور فون كارمن (Theodor von Kármán) ولودفيج براندل (Ludwig Prandtl). وقد قادني هذا الاكتشاف إلى مشاعر مختلطة من الفرح والفخر والمسؤولية والأمل. ووفق امتداد هذه الشجرة الأكاديمية، فأنا واحد من 4635 من أحفاد براندل الأكاديميين، وواحد من 1743 من أحفاد فون كارمن الأكاديميين.
كان براندل (Prandtl) من مؤسسي علم ميكانيكا الموائع الحديثة (Fluid Mechanics) من خلال نظرية الطبقة الحدّية (Boundary Layer Theory). والطبقة الحدّية هي المنطقة الرقيقة الملاصقة للسطح، حيث يتغير السريان سريعًا بسبب تأثير اللزوجة والاحتكاك. وقد أتاحت هذه النظرية فهمًا أدق للجريان حول الأجنحة، وكيف ينتقل من الشكل السلس الصفائحي (Laminar Flows) إلى سريان دوامي عشوائي مضطرب (Turbulent Flows)، وكيف يمكن لخشونة السطح المجهرية وغيرها من الاضطرابات أن تسهم في هذا الانتقال على سرعات طيران مختلفة. وخلال الحرب العالمية الثانية، استُخدمت نتائج من أبحاثه في تحسين التصميمات الهوائية للطائرات الألمانية، رغم أن دوره كان علميًا بالأساس، لا تنفيذًا عسكريًا مباشرًا.
وعلى الجانب الآخر من المحيط الأطلسي، أسهم تيودور فون كارمن (von Kármán) في تطوير فهم ديناميكا الدوامات (Vortex Dynamics) وعدم الاستقرار في السريان (Flow Instability)، وكان له دور محوري في ربط الفيزياء بالتطبيقات الهندسية في الطيران والصواريخ. وقد مهّد هذا الربط لتطور المحاكاة الحسابية للجريان المضطرب، وفهم الدوامات المتكوّنة في السريان المتذيّل للمركبات المتحركة، وكيف تنتقل الطاقة من الدوامات الكبرى إلى أحجام أصغر حتى تتبدد فيما يُعرف بشلال الطاقة (Energy Cascade).
وكان فون كارمن كذلك من المؤسسين الأوائل لمختبر الدفع النفاث (Jet Propulsion Laboratory — JPL)، حيث دعم أبحاث الدفع الصاروخي خلال الحرب العالمية الثانية، وأسهم بذلك في تأسيس بنية علمية قامت عليها برامج فضاء لاحقة. وتحدثت مع أستاذي عن اثنين من أبرز من تعاونوا مع فون كارمن في نشأة هذا المختبر: فرانك ماربل (Frank Marble)، جدي الأكاديمي والبروفيسور في معهد كاليفورنيا للتقنية (Caltech)، وصديقه العزيز هسيوي-شن تسين (Hsue-shen Tsien). لكن المكارثية فرّقت بينهما، حتى قرر تسين العودة إلى الصين، حيث أصبح له لاحقًا دور مؤسس في برنامجها للطيران والفضاء. ثم اجتمع الصديقان مرة أخرى في الصين في ثمانينيات القرن الماضي.
وكلما امتد الحديث، غمرتني مشاعر الفخر والسعادة بهذه المفاجأة وبهذا الاتصال العلمي المباشر مع أولئك الرواد. لم أكن مهتمًا أثناء دراستي بالبحث عن هذا النسب الأكاديمي أو السؤال عنه، لتمسكي ببيت حسان بن ثابت:
ليس الفتى من قال كان أبي
إن الفتى من قال ها أنا ذا
فالنسب العلمي لا يمنح صاحبه إنجازًا جاهزًا، لكنه يذكّره بحجم الأمانة التي يحملها. ومن هنا نبع داخلي شعور قوي بالمسؤولية تجاه ما ينبغي أن نقدمه للمجتمع العلمي والهندسي، وكيف ننقل خبراتنا إلى زملائنا من الأجيال الجديدة الصاعدة، وكيف نوجّه طاقاتنا مستقبلًا نحو إيجاد حلول جذرية لمسائل ميكانيكا الموائع المضطربة التي طالما عجز المجتمع العلمي عن فهمها بعمق، أو اعتاد التعامل معها من دون البحث الكافي عن زوايا بديلة لفهمها.
فمنذ سبعينيات القرن الماضي، اتجه كثير من الاستثمار والإبداع مباشرةً إلى الطرق الحسابية في ميكانيكا الموائع، بهدف مواكبة السباق الصناعي والعسكري. وكان لهذا التوجه فضل في تكوين جيش من عباقرة الكميين (Quants) الذين أحدثوا طفرة في الطرق العددية ومعالجة البيانات الضخمة. ولم يقتصر أثرهم على ميكانيكا الموائع في الطيران والفضاء والطاقة والأرصاد الجوية ودراسة المجرات والنجوم، بل امتد إلى محاكاة النظم الفوضوية، مثل أسواق الأسهم وصناديق التحوط (Hedge Funds) والتكنولوجيا المالية (FinTech)، وإلى الحوسبة عالية الأداء (High-Performance Computing) وتعلّم الآلة والذكاء الصناعي (AI/ML). وما يجمع هذه المجالات هو محاولة تحويل نظام معقّد إلى نموذج كمي يمكن اختباره وتحسينه واتخاذ القرار على أساسه.
ولهذا، وتماشيًا مع ذلك الاتجاه الواقعي والبراغماتي لحل المشكلات المعقّدة على مقاييس هندسية وصناعية حقيقية، كان حلمي أن ألتحق بالصناعة مباشرةً بدلًا من الأكاديميا بعد الدكتوراه. أردت أن يكون لي تأثير أكثر وقعًا في ميكانيكا الموائع خاصةً، وفي المحاكاة الفيزيائية عامةً، وأن أؤسس لنفسي مسارًا مباشرًا في الحوسبة عالية الأداء وصناعة الطيران والفضاء من خلال عملي في واحدة من أكبر شركات المحاكاة الرقمية للمهندسين في العالم، وهي أنسيس (Ansys).
كان القرار متوازنًا اقتصاديًا وعلميًا وعمليًا، رغم العقبات الكثيرة التي تواجه العاملين في الصناعة عند نشر أبحاثهم. فمن هذه العقبات قيود الملكية الفكرية، وصعوبة الإقناع بتسجيل الاختراعات الرقمية، ومعاملة كثير منها بوصفه سرًا تجاريًا (Trade Secret) لتفادي التكلفة المرتفعة لبراءات الاختراع، خصوصًا حين يصعب على المنافسين إعادة اكتشاف التقنية أو هندستها عكسيًا. ولهذا قد ينجز الباحث الصناعي عملًا عميقًا ومؤثرًا لا يظهر كله في الأوراق المنشورة.
ومن أمثلة المسائل التي ما زالت مفتوحة: السريان المضطرب على الأسطح. فعلى الرغم من بساطة وصفه الظاهري، يتميز هذا السريان بتنظيم بالغ التعقيد للدوامات. تبدأ بعض البنى من دوامات مجهرية قرب السطح، ثم تتناغم وتتفاعل لتشكّل دوامات أكبر ممتدة مع اتجاه التيار، وصولًا إلى ما يسمى بالهياكل العملاقة (Superstructures). ومن هنا تظهر فكرة تسلسل تكوّن الدوامات العكسي، من الأصغر إلى الأكبر. والمقصود هنا ليس أن شلال الطاقة في الدوامات الحرة ينعكس ببساطة، بل أن تنظيم البنى المتماسكة قرب السطح يختلف عن الصورة المبسطة لانتقال الطاقة من الدوامات الكبرى إلى الصغرى.
ولهذا يُعد السريان المضطرب على الأسطح من أكثر الحالات تحديًا لمن يعملون على نمذجته. وفي ظل غياب نموذج رياضي مغلق يصف كل تفاصيله، تُترك جوانب كثيرة منه للمحاكاة الرقمية الدقيقة. لكن هذه المحاكاة نفسها تحتاج إلى إعدادات صارمة حتى تنتج نتائج دقيقة ومتوافقة مع القياسات المعملية، وربما أشد صرامة من كثير من حالات السريان الدوامي الحر.
وكانت رسالتي للدكتوراه من أوائل الأعمال التي قدمت إعدادات ناجحة للمحاكاة الرقمية والنماذج الحسابية للاضطراب (Turbulence Modeling) للسريان المضطرب على الأسطح في ظروف طيران حقيقية بسرعات عالية. كما تناولت توقّع أثر هذا السريان في المجالات الكهرومغناطيسية، مثل الليزر عالي الطاقة، عند انتقالها خلاله، مع توافق قوي مع القياسات المعملية. ومع ذلك، ما زلت أجدني أحاول أن أفهم، أو أبحث عمن يقنعني بفهمه، للطبيعة الجامعة أو النظرية الجامعة للأشكال المختلفة من السريان المضطرب.
لكنني أظن أن الفرصة ما زالت قائمة، خصوصًا بعد التطور في الإمكانات الحوسبية والذكاء الصناعي والتعلّم العصبي العميق. فقد تساعدنا هذه الأدوات على فهم الفيزياء الكامنة في تكوّن الدوامات واندثارها في الأنواع المختلفة من السريان المضطرب، وعلى دراسة السريان بوصفه سريانًا غير مستقر (Unstable Flow) يمكن النظر إلى بعض جوانبه من منظور استمثالي (Optimization Perspective). ويعني هذا المنظور البحث عن الحالة أو التمثيل الذي يفسر سلوك النظام بأفضل صورة في ظل قيود محددة، وخصوصًا في سياق النمذجة المعتمدة على البيانات.
لكن الاستفادة من البيانات لا تعني الاستغناء عن الأساس الحسابي (Computational Basis) القائم على المعادلات التفاضلية. فالتحدي الحقيقي هو بناء جسر بينهما، سواء كنا ندرس سريانًا حدّيًا طبقيًا (Boundary Layer Flow) على أسطح الأجنحة، أو سريان الدوامات المتذيّلة لأجسام المركبات (Vortex Shedding Flows). وبرغم عملي في الصناعة، أؤمن بأنني سأستطيع، على امتداد تلك الشجرة الأكاديمية، أن أسهم بطريقة أو بأخرى، ولو بقدر بسيط، في حل مسائل تمس مئات التطبيقات العلمية والهندسية.
وأؤمن أن المرحلة القادمة لن تكون مجرد تطور في الحوسبة، بل قد تعيد تعريف الطريقة التي نفهم بها الفيزياء نفسها. وربما لا يكون دوري أن أظل مجرد امتداد لهذه الشجرة الأكاديمية، بل أن أسهم، ولو بجزء بسيط، في إضافة فرع جديد إليها؛ فرع يربط بين الفيزياء والحوسبة والذكاء الصناعي، ويساعد في حل ما استعصى فهمه لعقود.